محمود أبو رية

214

أضواء على السنة المحمدية

ولاه بسر بن أرطأة على المدينة بعد أن بعثه معاوية إلى أهل الحجاز يفعل فعلاته بهم وبأموالهم وذراريهم - وكذلك كان مروان ينيبه عنه على ولاية المدينة ، ثم زادت أياديهم عليه فبنوا له قصرا بالعقيق وأقطعوه أرضا بالعقيق وبذي الحليفة ، ولم يكتفوا بذلك بل زوجوه بسرة بنت غزوان أخت الأمير عتبة بن غزوان وهي التي كان يخدمها أيام عريه وفقره بطعام بطنه ( 1 ) . ولقد استخفه أشره وزهوه ، ونم عليه أصله ونحيزته ، فخرج عن حدود الأدب والوقار مع هذه السيدة الكريمة ، فكان يقول بعد هذا الزواج الذي ما كان ليحلم به : " إني كنت أجيرا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني ، فكنت إذا ركبوا سقت بهم وإذا نزلوا خدمتهم - والآن تزوجتها ، فأنا الآن أركب فإذا نزلت خدمتني ! " ويقول : وكانت إذا أتت على مكان سهل نزلت فقالت لا أريم حتى تجعل لي عصيدة ! فها أنا إذا أتيت على نحو من مكانها قلت لها : لا أريم حتى تجعلي لي عصيدة ! ومما أخرجه ابن سعد أنه قال : أكريت نفسي من ابنة غزوان على طعام بطني وعقبة رجلي . . فكانت تكلفني أن أركب قائما وأورد حافيا ، فلما كان بعد ذلك زوجنيها الله فكلفتها أن تركب قائمة وأن تورد حافية ( 2 ) . ولم يكن ما قدم أبو هريرة لمعاوية جهادا بسيفه أو بماله ، وإنما كان جهاده أحاديث ينشرها بين المسلمين يخذل بها أنصار علي ويطعن فيها عليه ، ويجعل الناس يبرؤون منه ، ويشيد بفضل معاوية ودولته . وقد كان مما رواه أحاديث في فضل عثمان ومعاوية وغيرهما ممن يمت بأواصر القربى إلى آل أبي العاص وسائر بني أمية . روى البيهقي عنه أنه لما دخل دار عثمان وهو محصور ، استأذن في الكلام ولما أذن له قال : إني سمعت رسول الله يقول ، إنكم ستلقون بعدي فتنة واختلافا ،

--> ( 1 ) مما يدل على أن أبا هريرة قد ظل على فقره وعريه إلى أواخر عهد عمر - أن عمر قال له عندما استدعاه من البحرين لما أتى أشياء استوجبت عزله وكان قد ولاه عليها سنة 21 ه‍ : هل علمت من حين أني استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين ! ! ( 2 ) أنظر إلى هذا الكلام الذي تعرى عن كل مروءة وكرم - فتجده يباهي بامتهان زوجه والتشفي منها - وهل يفعل مثل ذلك رجل كريم .